الشوكاني

467

فتح القدير

أنفسهم . قوله ( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا ) أن هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول أن تبوآ : أي اتخذا لقومكما بمصر بيوتا ، يقال بوأت زيدا مكانا وبوأت لزيد مكانا ، والمبوأ : المنزل الملزوم ، ومنه بوأه الله منزلا : أي ألزمه إياه وأسكنه فيه ، ومنه الحديث " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " ومنه قول الراجز : نحن بنو عدنان ليس شك * تبوأ المجد بنا والملك قيل ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية ، وقيل هي مصر المعروفة لا الإسكندرية ( واجعلوا بيوتكم قبلة ) أي متوجهة إلى جهة القبلة ، قيل والمراد بالبيوت هنا المساجد ، وإليه ذهب جماعة من السلف ، وقيل المراد بالبيوت التي يسكنون فيها ، أمروا بأن يجعلوها منا قبلة ، والمراد بالقبلة على القول الأول هي جهة بيت المقدس ، وهو قبلة اليهود إلى اليوم ، وقيل جهة الكعبة ، وأنها كانت قبلة موسى ومن معه ، وقيل المراد أنهم يجعلون بيوتهم مستقبلة للقبلة ليصلوا فيها سرا لئلا يصيبهم من الكفار معرة بسبب الصلاة ، ومما يؤيد هذا قوله ( وأقيموا الصلاة ) أي التي أمركم الله بإقامتها فإنه يفيد أن القبلة هي قبلة الصلاة إما في المساجد أو في البيوت لا جعل البيوت متقابلة ، وإنما جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى وهارون ، ثم جعله لهما ولقومهما في قوله ( واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة ) ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك ، فقال ( وبشر المؤمنين ) لأن اختيار المكان مفوض إلى الأنبياء ، ثم جعل عاما في استقبال القبلة وإقامة الصلاة ، لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء ، ثم جعل خاصا بموسى لأنه الأصل في الرسالة وهارون تابع له ، فكان ذلك تعظيما للبشارة وللمبشر بها ، وقيل إن الخطاب في وبشر المؤمنين لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم على طريقة الالتفات والاعتراض ، والأول أولى . وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( لتلفتنا ) قال : لتلوينا . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال : لتصدنا عن آلهتنا . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( وتكون لكما الكبرياء في الأرض ) قال : العظمة والملك والسلطان . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( فما آمن لموسى إلا ذرية ) قال : الذرية القليل . وأخرج هؤلاء عنه في قوله ( ذرية من قومه ) قال : من بني إسرائيل . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال : هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه . وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ونعيم بن حماد في الفتن وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) قال : لا تسلطهم علينا فيفتنونا . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال في تفسير الآية : لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك ، فيقول قوم فرعون : لو كانوا على الحق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي قلابة في الآية قال : سأل ربه أن لا يظهر علينا عدونا فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مجلز نحوه . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ( وأوحينا إلى موسى وأخيه ) الآية ، قال ذلك حين منعهم فرعون الصلاة ، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم وأن يوجهوها نحو القبلة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( أن تبوآ